محمد فاروق النبهان

223

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

أن الكل قادرون على الإتيان بمثله ، وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به ولا بأعجب من قول آخرين ، أن العجز وقع منهم ، وأما من بعدهم ففي قدرته الإتيان بمثله ، وكل هذا لا يعتد به » « 1 » . ثانيا : الإعجاز بالتأليف الخاص به : والمراد بالتأليف الخاص بالقرآن اعتدال المفردات من حيث التركيب والوزن وسمو معانيه ، بحيث يكون القرآن في أعلى درجات العلو والتفوق والتميز ، ونسب هذا القول الزركشي لكمال الدين الزملكاني صاحب البرهان في إعجاز القرآن . . وذهب ابن عطية وجمهور العلماء إلى أن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه ، ووجه الإعجاز في هذا أن اللّه أحاط بكل شيء علما ولا يمكن الإتيان بمثل القرآن ، وهو أمر خارج عن قدرة البشر ، ولو كان بإمكان العرب أن يأتوا بمثله وهم في موطن التحدي لفعلوا ذلك ، ولكنهم كانوا عاجزين وهم أعرف الناس بعجزهم . . . وذهب أبو بكر الباقلاني إلى أن وجه الإعجاز هو ما فيه من النظم والتأليف والترصيف ، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطاباتهم ، ولهذا لم يتمكنوا من معارضته ، وليس الإعجاز القرآني متمثلا في أصناف البديع الموجود في الشعر ، فذلك ليس مما يخرق العادة ، وإنما يتمثل الإعجاز في النظم المتميز للقرآن الذي ليس له مثال يحتذى ، ولا إمام يقتدى به ، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا ، ثم تساءل الباقلاني عما وقع التحدي به ، أهو الحروف المنظومة أو الكلام القائم بالذات أو غيره ؟ وأجاب بأن التحدي تمثل في إتيانهم بمثل حروف القرآن من حيث النظم والأحكام « 2 » . . وقال بعض الأئمة : ليس الإعجاز المتحدى به إلا في النظم لا في المفهوم ، لأن المفهوم لا يمكن الإحاطة به ولا الوقوف على حقيقة المراد به . .

--> ( 1 ) انظر الإتقان ، ج 4 ، ص 7 ، نقلا عن إعجاز القرآن للباقلاني ص 43 - 44 بتصرف . ( 2 ) انظر البرهان ، ج 2 ، ص 99 ، نقلا عن إعجاز القرآن .